السيد محمد باقر الصدر
مقدمة 96
المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )
الفقهي ، وكما رأينا ابن إدريس يحاول في السرائر تفنيد ما جاء في فقه الشيخ من أدلّةٍ كذلك نجد ابن زهرة يناقش في الغنية الأدلّة التي جاءت في كتاب العدّة ، ويستدلّ على وجهات نظرٍ معارضة ، بل يثير أحياناً مشاكل اصوليةً جديدةً لم تكن مُثارةً من قَبل في كتاب العدّة بذلك النحو « 1 » . وهذا يعني أنّ الفكر العلمي كان قد نما واتّسع بكلا جناحيه الأصولي والفقهي ، حتّى وصل إلى المستوى الذي يصلح للتفاعل مع آراء الشيخ ومحاكمتها إلى حدٍّ ما على الصعيدين الفقهي والأصولي ، وذلك يعزِّز ما قلناه سابقاً « 2 » من أنّ نموّ الفكر الفقهي ونموّ الفكر الأصولي يسيران في خطّين متوازيين ، ولا يتخلّف أحدهما عن الآخر تخلّفاً كبيراً ؛ لِمَا بينهما من تفاعلٍ وعلاقات . واستمرّت الحركة العلمية التي نشطت في عصر ابن إدريس تنمو وتتّسع وتزداد ثراءً عبر الأجيال ، وبرز في تلك الأجيال نوابغ كبار صنّفوا في الأصول
--> ( 1 ) لا بأس أن يذكر المدرِّس مثالين أو ثلاثةً للمسائل التي اختلف فيها رأي ابن زهرة عن رأي الشيخ . فمن ذلك : مسألة دلالة الأمر على الفور ، فقد كان الشيخ يقول بدلالته على الفور ، وأنكر ابن زهرة ذلك ، وقال : « إنّ صيغة الأمر حيادية لا تدلّ على فورٍ ولا تراخٍ » . الغنية ( ضمن الجوامع الفقهية ) : 465 ، السطر 32 . ومن ذلك أيضاً : مسألة اقتضاء النهي عن المعاملة لفسادها ، فقد كان الشيخ يقول بالاقتضاء ، وأنكر ابن زهرة ذلك مميزا بين مفهومي الحرمة والفساد ، ونافياً للتلازم بينهما . المصدر السابق : 468 ، السطر 4 . وقد أثار ابن زهرة في بحوث العامّ والخاصّ مشكلة حجّية العام المخصّص في غير مورد التخصيص ، المصدر السابق : 470 ، السطر 26 . بينما لم تكن هذه المشكلة قد أثيرت في كتاب العدّة . ( المؤلّف قدس سره ) ( 2 ) سبق تحت عنوان : التفاعل بين الفكر الأصولي والفكر الفقهي